أرشيف يوليو, 2009

التنوير بالفكر العربي والإشكاليات الثلاث 2-3

يوليو 29, 2009

فيما سبق تحدثنا عن الإشكالية الأولى التي تواجة شعوب المنطقة العربية <<العولمة>>، وماتحمل من تحديات عديدة تتطلب بالضرورة الحراك الفكري لتجاوز مرحلة الجمود والإستكانة التي كانت بمثابة حجرة التعثر والتعطيل للأخذ بمسببات التنوير ودوافعه، التي كان التنوير حلاً جذرياً للعديد من مثيلاتها في سالف الأوقات ومولداً حقيقي للنقلات النوعية في شتى الحضارتين الأوروبية والأمريكية على حد سواء التي خلقت بدورها هاذتين النقطتين القادمة لتصبح هي الإشكال بالوجة الآخر للعصر الحالي، لننتقل هنا للتحدث عن الإشكالية الثانية وهي:

• العلمانية.
• الديموقراطية.

2- العلمانية:
يختلف نطق هذه الكلمة حسب تشكيل حرف العين، فإذا نطقت بكسر العين كانت اشتقاقا من العلم، وإذا نطقت بفتح حرف العين أصبحت اشتقاقاً من العالم والأصح والمتفق عليه أن تنطق بكسر العين.. وهذا يعني مجملاً تعظيم دور العلم. والعلمانية هي عموماً التأكيد على فصل الدين عن الدولة. بمعنى أن تسير آليات الحكم بمعزل عن النفوذ الديني وآراء رجال الدين. وتعني العلمانية أيضا أن تكون الحكومة حيادية بين المواطنين فيما يختص بكل ما يتعلق بالاعتقادات الدينية غير منحازة لجانب دون الآخر. وتضمن العلمانية في الوقت نفسه استقلال المؤسسة الدينية عن نفوذ وسيطرة نظام الحكم. أول من استعمل هذا المصطلح (Secularism) كان الكاتب البريطاني جورج هوليوآك (George Holyoake) في 1846، وبالرغم من حداثة هذا التعبير في ذلك الوقت إلا أن المعنى الذي ينطوي عليه من حيث حرية التفكير ظل قائماً حتى يومنا هذا.

ترجع أولى أفكار العلمانية إلى الفيلسوف الأندلسي ابن رشد (Averroes)، وإلى مدرسته وما انتهت إليه من ضرورة تشجيع قيام نظام اجتماعي منفصل عن الاعتقاد الديني دون أن ينطوي هذا على إهمال الدين أو التقليل من شأنه والحياة الروحية على المستوى الشخصي، وفي هذا المعنى يقول هوليوآك إن العلمانية ليست نظاماً يهدد المسيحية ولا الدين ولكنه نظام مستقل عن الدين لا ينكر أهمية الدين بالله الخالق ولا يلغي دور رجال الدين ولا التعاليم الدينية ولكنه يؤكد وجود تيار مواز من اليقين ومن المعرفة يوفره التفكير العلماني الذي ينبع من تجارب وخبرة هذه الحياة ويصب أيضاً باتجاهها ويهدف إلى سعادة ورخاء البشر، وهو قابل للفحص والاختبار من قبل البشر، بينما الفكر الديني يساعد الفرد عن طريق توصيل رسالة السماء إليه وهو يقوده إلى نمط أخلاقي سام في الحياة اليومية ويعده بالسعادة في الآخره ومن حيث أنه نزل من السماء فهو لا يخضع للفحص ولا للتجربة البشرية.

تُمارس العلمانية في أوضح صورها في كل من الولايات المتحدة وفرنسا، وهي قائمة في دول شرقية أخرى مثل الهند منذ أزمنة بعيدة (تخيل مجتمعاً متعدد الهويات الدينية مثل الهند لا تطبق فيه العلمانية. وتخيل كيف يكون الشكل المتصور للمجتمع حينئذ؟ وعلى أي شاكلة تكون المواطنة في غياب العلمانية؟). يظهر لنا التاريخ أن الدولة العلمانية وجدت أيام العصور الزاهية للإسلام في العصور الوسطى، ومن المزايا التي توفرها العلمانية للمجتمع:

- الاحترام العميق لكل الأفراد والجماعات الصغيرة والأقليات مهما كانت.
- التأكيد على المساواة بين الناس.
- دعم كل الأشخاص كي يستطيع كل واحد أن يحقق ذاته بالأسلوب الذي يراه.
- تذويب الحواجز بين الفئات والطبقات والطوائف.
- افساح المجال بلا قيود أما البحث العلمي والابداع.

تقف بعض المؤسسات في العالم ضد العلمانية ولا تكتفي بمعارضتها ولكنها تدعو للقضاء عليها، وعلى رأس هذه المؤسسات البابوية في الفاتيكان وجاء هذا واضحاً في الخطاب الأول للبابا بينديكت السادس عشر. وفي العالم العربي تقف المؤسسة الدينية، وكذلك حركات الإحياء والتسيس الدينية ضد مشروع العلمانية على خط مستقيم. يرى المتدينون (من كل الأديان) إن الإيمان يمنح للإنسان حرية تفوق كل ما يمكن أن تحمله إليه العلمانية إذ يحرره الدين من سلطان الخطيئة. وفي هذا السياق يؤكد معارضو العلمانية، أن الدول التي مازالت تحافظ على الرابطة الوثيقة بين الدولة والكنيسة مثل النرويج وأيسلندا وفنلندا والدانمارك تنتعش فيها حركات ليبرالية وتقدمية أكثر من دول كثيرة علمانية السياسة. كانت أيسلندا من أول الدول التي قننت الإجهاض. وتمنح فنلندا الدعم المادي للمسلمين لبناء المساجد. والعكس صحيح إذ يشيد البعض بالتقدم الذي تحرزه بعض الدول العلمانية مثل هولندا والسويد بالرغم من أنها فصلت الكنيسة عن الدولة نهائياً في سنة 2000.

نقطة الضعف الكبرى في العلمانية هي تلك التي ركز عليها كثيرون من المعلقين عندما يجعلون منها مصطلحاً مرادفاً للإلحاد أو للكفر أو للمعتقدات الشيطانية حتى إنها تستعمل من قبل الوعاظ والخطباء لسب أو لتحقير المعارضين ويغض هؤلاء الكتاب الطرف عن حقيقة أساسية في العلمانية ألا وهي أنها نظام محايد تجاه الدين.. وليس نظاماً مضاداً أو معادياً للدين.. نظام يسمح بحرية الأعتقاد دون أن تتبناه أو تقهره الدولة. تكفل العلمانية حرية العقيدة وتكفل في الوقت نفسه، وهو الأهم، استقلال المؤسسة الدينية عن تأثيرات نفوذ السلطة السياسية.

هذا هو الحال مع العلمانية.. ومن هذا المنطلق يبدو واضحاً أن الشعوب في المنطقة العربية لم تحدد بعد موقفاً واضحاً منها. وتفرض الضرورة أن يتعامل الفكر في المنطقة العربية مع هذه القضية بمنتهى الجدية حيث يتحدد تبعاً لها كثير من المتغيرات الحاسمة.

# لاحقاً الجزء الثالث والأخير.

• كتاب: التنوير.
• المؤلفة: دوريندا أوترام.
• ترجمة: د. ماجد موريس ابراهيم.
• الجزء الثاني من مقدمة المترجم بتصرف: ص 31- ص 34.