الأصل في المجتمعات هو “الجهل” وما بعد ذلك من حضارات و تمدن و حداثة هي من جهد هذا الأنسان، هكذا قال البليهي في العديد من الحوارات، وهكذا مازال مستمر البليهي بوجهة النظر هذه، إذاً عندما نردد كثيراً أن “الإنسان عدو لما يجهل”، فهو إذاً عدو لكل مالم يقدمه الأنسان الآخر في ذات المجتمع الذي ينتموا له جميعاً حتى يعلم عنه، و هكذا يصبح إنسان جاهل واحد فقط عبارة عن ميزان للمجتمع بأكمله، هنا نصبح ظالمين إذاً لآخرين، إذاً نعود لنقول أن الإنسان الجاهل هو أحد أمرين:
- إما فرد جاهل مع مجتمع جاهل بأكمله. وهذه إفتراضية غير واقعية
- إما فرد جاهل مع طبقة جاهلة بالمجتمع تقف خلف ترسانة جاهلة بالتأكيد لرفض كل ماليس معلوم بالنسبة لهم. وهنا إفتراضية واقعية
بعد أن نستبعد الإفتراضية الأولى، نجد أن الإفتراضية الثانية تملك سؤال مهم: ولماذا إذاً إستطاعت المجتمعات الجاهلة عبر التاريخ النهوض من الجهل إلى العلم والحداثة بينما أخرى لم تفعل ذلك؟، وهنا جزئية سؤال مشتقة مهمة ايضاً: مالذي أستطاعوا عليه أن يفعلوه المتعلمين لإختراق الجهل في مجتمعاتهم بينما لم يستطيع عليه المتعلمين والمثقفون بمجتمعات أخرى؟، وهنا سؤال مشتق آخر ايضاً من الأخير: هل حقيقة أن المثقفون هم الوحيدون المسؤولون عن فعل ذلك، أم هناك آخرين لابد من وجودهم أو بشكل آخر هل من أدوات مفقودة بيد المثقفين هي مفاتيح النهوض؟
وقبل أن نبدأ بالإستقراء الشخصي، أحتاج لإستبداء بسيط، تحدثت سابقاً في تدوينة “لعن الله ساس يسوس سياسة” مستهدفاً بها محورين مهمين:
- نشأة العقل العربي.
- إنهزامية العقل العربي.
فنشأة العقل العربي نشأة عشائرية قبلية، ينعدم فيها وجود الفردية تحت لواء الجماعة، وبالتأكيد الأخيرة تحتاج لقائد الذي هو صاحب الكلمة الأولى والقرار، وكل ذلك ماكان يحصل من عدم، بل لإحتياجات تطابق ظروف الواقع، الواقع المشرذم من قبائل متناحرة، يغزو بعضها الآخر، التي مؤكداً ماكانت لتفعل ذلك إلا لإحتياجات، النفوذ والسيطرة بالدرجة الأولى في ظل إنعدام وجود الدولة والقانون، والسلب في الدرجة الثانية، وأن كنت لا أعتبر أن “السلب” بحد ذاته يستحق أن يعتبر درجة ثانية لكونه مجرد دعم لوجستي للنفوذ والسيطرة لكن لنفترض ذلك مع محاولات القبائل الضعيفة للعيش فقط دون وجود أهداف مأجندة لديها للنفوذ والسيطرة، هذا الواقع حتى يتم محوه كان بحاجة لجرعة “الأمن” أي الدولة التي تضع القانون وتحافظ على هذا القانون بقوة “الأمن”، ولك أن تلاحظ عزيزي القارئ تحديدي قول “هذا الواقع” أي هذه الأفعال والسلوكيات فقط، لكن ماذا عن هذه الثقافة؟، من سيمحوها؟
في المربع المترابط أعلاه أقتربنا قليلاً من الإجابة على الأسئلة السابقة تقريبياً، فحين إستطاعت المجتمعات الجاهلة عبر التاريخ النهوض من الجهل إلى العلم والحداثة إستطاعت بذلك من منطلق الفردية لا الجماعة، والتي الأخيرة حصلت على يد المثقفين لنشرها والتأكيد عليها كمفتاح للنور، وهذا مافعله المثقفون في تلك المجتمعات الحداثية ترابطاً مع بدء قوة القانون على يد الدولة، بينما المثقفون في المجتمعات المتخلفة أكتفوا بسيطرة الدولة كأنما هي مصل الواقع الحاصل دون أن يقدموا على شيء، هذا في حال أن نبرئ البعض منهم عن هذه التهمة بالتقاعس بأن الدولة في المجتمع المتخلف هي من نتاج هذا التخلف بالأخير ولم تفعل هذا الأمر إلا لمصالح بعيدة تماماً عن أهداف النهوض فأصبحوا المثقفون محاربون وبين نارين، هذا في حال ايضاً أن لم نبرئ البعض من هذه الأنظمة عن تهمة النظرة المصلحية بأن ماحصل هو إستعمار مستحدث لا يعنيه هذا القالب بآخر الأمر!
حسناً، في المربع الأخير نجد أن نشأة العقل العربي أنتهت إلى إنهزاميته، والإنهزامية هنا حاصلة لعدة عوامل، لشرح هذه العوامل سأعود لبداية شرحي للنشأة وسردها هنا بطريقة مختلفة، حين كانت القبائل تغزو بعضها البعض، منطقياً بعد أن يحصل الغزو هناك قبيلة قوية رابحة وهناك قبيلة ضعيفة خاسرة، فمن الطبيعي أن للقوية شروطاً حتى تنجو الضعيفة بما تبقى لها من أمل بالحياة، أهم هذه الشروط هو الإنضواء لهؤلاء الضعفاء تحت رايتها، للمعلومية هذا الشرط ليس رحمة منزلة على قلوب الأقوياء لأجل أن يعيشوا الضعفاء، بل لأجل التوسع والإستكثار للهدف الذي تطرقنا له سابقاً “النفوذ والسيطرة”، فليست هذه القبيلة الأخيرة التي ستنهي هذا المسلسل، فمازال المسلسل مستمراً.
و لطبيعة النهاية الحتمية هذه في حلقات هذا المسلسل، خرج العديد من العبارات، أشهر تلك العبارات إستعمالاً لهذا الوقت “اليد اللي ماتقدرها صافحها”، الأخيرة هذه التي نخرج منها بسؤال: وإلى متى سأستمر بالمصافحة إذاً؟، لأن من الطبيعي حين نريد تفكيك العبارة، سنقوم بتجزأتها، “اليد اللي ماتقدرها” اي اليد التي لا تستطيع على إعاقتها أو إبعادها، حسناً هنا السؤال: ولماذا أريد إعاقتها أو إبعادها؟، أليس هنا هدف معين تريد أحد الأيدي فعله ولكن هناك يد متقاطعه على ذات الطريق؟، إذاً من الطبيعي هنا ايضاً لن تتنازل هذه اليد عن هذا الهدف، فالجزء الأخير من العبارة يقول “صافحها” أي أن تسايرها قليلاً للوصول إلى الهدف، وأعلم عن سؤال: ولماذا لايكون تنازل وليس مسايرة؟، الجواب على هذا السؤال، هي العبارة الأشهر إستعمالاً لهذا الوقت ايضاً “تمسكن حتى تمكن”
من العبارة الأخيرة يبدأ عنوان هذه التدوينة. ثقافة “الإنقلاب”، التي مسلسل إستمرارها وتواصلها تعني عدم إستحقاق وجود مايسمى دول بمعنى الدولة الحقيقية، فالمنطقة العربية والعالم الثالث المتخلف مجرد مجموعة قبائل و عوائل مستنظمة و مجموعة شعوب منهزمة، تعبر عن حقبة ماقبل القانون المكتوب ورقياً “أقل وصف مستحق”، مستمرة إلى يوم يبعثون على التناحر المطور بعد هذا القانون المكتوب ورقياً بطريقة وثقافة “الإنقلاب” المسترجل غالباً من عدة أفراد أو عدة مجموعات متمكنة، فمن الإنقلابات العسكرية إلى محاولات إغتيال الملوك والرؤوساء إلى رداء ما يسمى “ثورة” وهو مجرد تعطش جموع هذه الشعوب المنهزمة للتغيير ولجهلها وعدم تمكنها من عقلية مدنية حديثة ستنتهي أن تصبح مجرد أداة “إنقلاب”، والتاريخ العربي يشهد على هذه الأخيرة كثيراً، فماهو حال مصر بعد الملكية؟، وماهو حال السودان بعد العديد من الإنقلابات وكذلك العراق؟
أصل هنا لسؤال كان يستحق أن يكون في بداية التدوينة ولكن عمدت إلى تأجيله، حين وصلنا إلى هذه النهاية وهي ثقافة “الإنقلاب” التي ماكانت لتحصل إلا من الجهل، الذي كما قال عنه البليهي هو “أصل المجتمعات”، فماهو هذا الجهل الذي أدى لهذه الثقافة؟، هل نعني به الجهل الكامل مرادف العلم؟، أم جهل آخر؟، وماعلاقة الإستشهاد في تدوينة “لعن الله ساس يسوس سياسة” بهذه المقولة للإمام محمد عبدة بالتحديد ومقطعين لبداية الدولة الأموية في الأندلس ونهايتها؟
كونوا بالقرب بتدوينة قادمة. إلى اللقاء …
