أرشيف نوفمبر, 2009

ماهي الكاوست يافايد!

نوفمبر 14, 2009

قرأت كما قرأ غيري ماكتب فايد العليوي، تذمره الشديد من المبالغة في وصف أن المملكة العربية السعودية بدأت دخول النفق المضيء من خلال جامعة الملك عبدالله “الكاوست”، وأنه لابد من الأعتراف بالواقع البعيد تماماً عن حقيقة النهوض المرتقب من خلال هذا الصرح الحديث والجديد، ولا أعلم حقيقة كيف لفايد أن يفعل مثل هذا الأمر وحسبي به مدوناً عرفته قديماً أوسع معرفة!.

حصر الزميل القدير فايد للكثير من المعضلات والإشكالات الداخلية وذكر ماعلاقة له بالعلم والمعرفة ومالا للعلم والمعرفة علاقة به، وكأنما به يزج بالجامعة كمؤسسة تنفيذية يرتقب منها أن تقوم بفحص كل تلك الكتل الإشكالية لحلّها فوراً، هذا في حال أن أخذنا قراءة مقالة من هذه الزاوية، أم أن أخذنا مقالته من زاوية مختلفة، فكأنما به ايضاً يقول بحال اللسان: قبل أن تتقدموا خطوة معرفية لإنشاء كمثل هذا الصرح أن تمحوا تماماً كل شيء يمت بصلة لمجازية “العصر الظلامي”؟، بما تحمل فيهما من تعدي واضح وكبير على الجهود والإمكانات المتوفرة التي تقدمت لإيجاد هذه الشعلة العلمية الكبيرة!

فلماذا دائماً نخلط بين الأمور ونكون عاطفيين نصل للتسطيح في المسائل؟، فهل يفترض في واقع الأمر أن يكون للجامعات دوراً في أن تتولى تحديث الفكر الإجتماعي، أي هل هي المصدر المنتظر لإحداث التغيير؟، وللإجابة على السؤال الأخير، يجب أن نميز بين الجامعة كمؤسسة والجامعيين كأفراد، فالجامعة كمؤسسة لم تسجل في التأريخ لا العربي منه ولا الغربي أن تكون قائده أو رائده في التغيير، بل أقرب لها أن تكون رافضه للتغيير والوقوف ضده، وهناك العديد من الشواهد التأريخية التي تشهد على ذلك، بدايةً بأنشتاين الذي رفضته جامعات ألمانيا قاطبة بأطروحته “النسبية” التي خالف بها السائد العلمي في المؤسسة الجامعية، وهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية حتى سخر له الله الجامعات هناك وفتحت له الباب بالبحث الذي غير من بعده مجرى العلم.

مثله ايضاً مثل ديريدا الذي لم تعبأ به المؤسسات العلمية الفرنسية ولم يظهر له أي شأن إلا بعدما ذهب للولايات المتحدة الأمريكية ايضاً ووجدت رؤيته وأفكاره مريدين أخذوا بها، وأصبح لهم تجمعاً في جامعة “ييل” اشتهروا به وصاروا يسمون “نقاد ييل”، بل حتى أنهم واجهوا عملية تصفية وسحق كامل فروا على أثره يبحثون عن جامعات أخرى حتى أنه منع الطلاب من مواصلة كتابة رسائلهم وخيروا بين أن يغيروا موضوعاتهم أو ينتقلوا لجامعات مختلفة، حتى تم تنظيف مكتبة جامعة “ييل” تماماً من كل كتاب له صلة بالجماعة.

فالجامعة في حقيقتها مؤسسة رسوخية تسعى لترسيخ المفاهيم والأعراف الأكاديمية التي تصل لمستوى القيم التي لا يمكن التفريط بها، ومما لا شك فيه أن الجامعة تتكون من أفراد ومن تخصصات مختلفة، وهؤلاء جمعيهم تكونوا تكوين مؤسساتي تدربوا من خلاله على الأنظباط والصرامة، صار لأثره لديهم مفهوم الموضوعية يقتضي نفي الذات وينبذ الخروج والمخالفة المنهجية، وبالطبع هذا الشيء لابد من إكتسابه لتحقيق الدرجة العلمية ولتفهم الشرط الأكاديمي، فقليل جداً هم الذين يخرجون عن هذا الشرط، بل أن ببعضهم كمرتقب للتجديد إذا به يتحول متسلطاً منهجي لا يسمح بمفارقة المنهج!

ولو تتبعنا تأريخ الجامعات في التغيير لما وجدنا لها أي دور تتمثل به، ومن الأمثلة كمحمد لجابري وعبدالكبير الخطيبي وعبدالفتاح كيليطو ، أسماء اعتمدت على فعلها الفردي وإنتاجها الخاص بها، ولم يورد بذهن أي كان مننا أن ينسب أي من هؤلاء لأي جامعة عملوا بها، ولا فكره، وغالبيتنا نجهل أين درسوا وعملوا أكاديميين!. وهنا يتضح لنا الفارق الكبير بين الجامعات كمؤسسات وبين المفكرين كأفراد مجتهدين تمردوا على القيود الأكاديمية، فأن نقوم على الجامعات التي هي قلعة الثبات ومدرسة التقاليد والأعراف الأكاديمية الصارمة ونأمل منها ان تكون مصدر التغيير الإجتماعي المأمول، إفتراض خاطئ ليس بمكانه، فمانتوقعه من تغيير فكري وثقافي يمكن أن يحدث من الأكاديميين أي “الأفراد”، بل لا يمكن أن يحدث إلا بعد أن يعرفوا كيف أن يكسروا هذا الطوق العرفي ونسقه، بل وأصبح لديهم الشجاعة الكافية لخوض المغامرة ووعي كامل لما تتطلبه من تضحيات.

فلابد لنا أن نضع الأمور في إطاراتها، وأن نصحح تصورنا الخاص لمّاهية الجامعة، وأما ما لي شخصياً هو أن أسال الصديق والزميل العزيز فايد منتظراً إجابته لاحقاً: ماهي الكاوست يا فايد؟