قال المرزوقي: اما آن للأبوية السياسية أن تنتهي؟

By thumarm

بدايةً تحت تبويب (محليات) أخصص هذا التبويب (قال المرزوقي) للتعليق على القضايا والأحداث الداخلية لكن من زاوية أخرى، هذا في حال لم تأخذ بي الحماسة مبلغاً فأقول للتعليق على القضايا والأحداث الداخلية من منظور شخصي لم تصل إليه العقول ذات النسق الواحد والتي لا تختلف عن بعضها الأخر إلا باختلاف سنتيمترات حجم الجماجم فقط لا غير، ولكن أستغفر الله من قولي هذا وأكتفي بالأول الذي يبدو لي متواضعاً، ومن باب الشيء بالشيء يذكر، فأنه يقال من تواضع لله رفعه، رفعنا الله وإياكم لمراتب العليين : )

فأقول: تدخل الملك الأخير في حسم القضية ذات الأربع سنوات والتي تم الحكم فيها فيما قبل بالفصل بين زوجين سعوديين بحجة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان “عدم تكافؤ النسب”، وإعادة الزوجين لبعضهما بعد الطعن في الحكم والحكم بجمعهما، تكاد تكون مفرحة للبعض وخبر سار ستطرب له الصحافة المحلية كثيراً وستنشد عليها أحبار الكتبة طويلاً، بذات الوقت الذي سيحزن فيه البعض الآخر من الوصول إلى نهاية القضية بشكل مثل هذا، فتدخلات الملك المتكررة لإنهاء قضايا عالقة في القضاء كافية أولاً بها أن يدين هذا القطاع بتكرر أخطاءه، وإلا ماهية الحاجة أن يلجئ المجتمع للملك لحل قضاياه في ظل وجود محاكم وقوانين معمول بها بنظام الدولة؟!، ألم يكن من الأجدر أن يتم طرح الأسئلة المشروعة التي تكون كفيلة جداً بمعالجة هذا القطاع حتى لا تتكرر أخطاؤه مستقبلاً ومع آخرين خصوصاً منهم من لم يستطع أن يصل للملك شخصياً ليتم البت في قضية عالقة له؟!

أما الاتجاه الثاني وهو الأهم لدي شخصياً، تدخلات الملك بحكم كونها إدانة فهي أيضا بمثابة تعطيل لقدرات مضي الدولة قانونياً بشكل سليم، فبدل من أن يكون الأصل هو الصواب في المحصلات النهائية للمعاملات النظامية والخطأ يعد استثنائيا يعالج ذاتياً بطبيعة الحال وفقاً للأنظمة وتشريعاتها، أصبحت تدخلات الملك المتكررة بعد إذاً تعطيلاً للمضي القانوني بشكل سليم والأصل هو الخطأ والصواب استثناء يعالج بالتدخل!، وكلي ثقة هنا ولست بحاجة للتأكيد على ذلك من عدمه أن خادم الحرمين الشريفين لم يتدخل بنية مسبقة للتعطيل بقدر أن الملك يتدخل بحكم استشعاره للمسؤولية المناطة به كملك للبلاد، التي بذات الوقت تحتم بي وبالعديد بالاستشعار بمسؤوليتنا كمواطنين أن نقدم الآراء التي من شأنها أن تكون حلاً ناجعا للإشكالات التي نمر بها، فليست تدخلات خادم الحرمين الشريفين بعلاج أبدا، وإنما شبه (مضادات حيوية) تشلّ من القدرة المناعية الذاتية للنظام والدولة وتهدمها من الفعالية!

فهذه (المضادات) تهدم القدرة المناعية الذاتية للنظام والدولة من البدء في إعادة صياغة الدولة السعودية الثالثة بشكل مدن حديث التي من المفترض لها أن تتصدى بمناعتها للثقافة الأبوية التي تمرست بها الدولة السعودية الأولى فالثانية، فتمرس الدولتين السابقتين على هذه الثقافة كان وفق مناخ عام يتطلب العديد من التعاملات الخاصة به، لم تعد تجدي نفعاً في ظل التطورات المتسارعة للمنطقة والعالم، وتنامي العدد السكاني، وتوسع المسؤوليات ونموها، التي لا يمكن بمعطيات مثل هذه أن يتم الاستمرار بالعمل والتعاطي معها على ثقافة أبوية، فنشوء الدولة في داخل تركيب مجتمعي قبلي عشائري تعود فيه العائلة للأب، والأسرة لكبيرها في العمر، والقبيلة والعشيرة لشيخها، يجعل من هذه الفكرة والثقافة أمراً مقبول به في البداية، ولكن بعد أكثر من 70 عام على النشأة، وبعد التغيرات التي طرأت على التركيبة بشكلها العام، لا يمكن لنا القبول بالاستمرارية على ذات النسقية!

فعدم القبول هنا له حجته، فهذه الثقافة لا يمكن لها أن تعمل بشكل سليم إلا بالحد الأدنى من شرطية التواصل السريع ما بين الحاكم والمحكوم وتقاربهم بين بعضهم البعض، وفقدان الحواجز والمعوقات في الاتصال ما بين الفرد في المجتمع وما بين المسؤول أو الأمير أو الملك المخولون بالبت النهائي، وهذا ما جعلها مقبولة بشكل كبير جداً في الدولتين السابقتين، ولكن في الوقت الحاضر وفي ما طرأ بعد ذلك من تغييرات عديدة، الحد الأدنى كاد أن ينتفي أن يكون قد أنتفى أن صح القول، فلا يمكن منطقياً أن يكون أحادا من الناس موزعون على المناطق يتم تخويلهم شخصياً من الملك للبت في قضايا ملايين من البشر، ومعالجة ما يحصل من أخطاء، ولا يمكن هنا للملك استيعاب حجم هذه المسؤولية بمفرده بعد توسعها وتشعبها فيتصدى لها أيضا.

فأقول: معالجة الأخطاء بهذه الثقافة الأبوية السياسية في الوقت الحالي غير مجدية أبدا، فلابد أن يستشعر المواطن هنا أن المسؤولية ليست ذات نسقية عائلية يتم إحالتها لقيمة الواحد، بل مسؤولية مشتركة بين الجميع، فيتصدى لأخطاءها لتكون صواباً، ويصون صوابها لتكون أكثر صواباً، ويتم نقل هذه الثقافة الأبوية من مرحلتها الأولى بقيمة الواحد المسيطر على النطاق الضيق، إلى مرحلتها الثانية بقيمة الثنائية المسيطرة على النطاق الأوسع. حتى تتناقل بذاتيتها إلى قيم ثلاثية ورباعية وخماسية “ألخ…” كلما كان النطاق متوسعاً بعد وقت وأخر. وهذه الأخيرة لا يمكن أن تقع في ظل انعدام المؤسساتية الاجتماعية. فكما ظهرت المؤسساتية الحكومية التي تزيد من فعالية التنظيم الحكومي الداخلي وغيرها من المؤسساتية المتخصصة، لابد أن نعي أيضا في علم الاجتماع اشتراط المؤسسات الاجتماعية التي من شأنها زيادة فعالية النمو المجتمعي نحو تحقيق الأهداف العليا المشتركة.

لأقول: وهذه الأهداف العليا المشتركة لا يمكن لها من التحقق إلا بالبدء بإعادة التفكير بصياغة العقد الاجتماعي الذي يعد بمثابة الاتفاق بين جموع الأفراد فيما بينهم للبدء في تكوين حقيقة مجتمعية تكفل عموم حق الفائدة المشتركة والتصدي للأخطار، مقابل التسليم بالخارج عن هذا العقد للسلطة، والسلطة هنا هو القضاء، وفي حال استمرار هذا القضاء بهذا الشكل الحالي، لا أتوقع لنهايات حديثي الأخيرة أن تحصل وتقع، فاستغفروا لي ولكم لعلكم ترحمون.

إلى اللقاء …

اترك رد